الرئيسية التسجيل التحكم

مركز



إضافة رد
قديم 15 Sep 2009, 04:37 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
حركات
اللقب:
7rkat

الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حركات

البيانات
التسجيل: Jan 2004
العضوية: 1
الدولة: السعوديه
المشاركات: 894
بمعدل : 0,17 يوميا
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 20



المنتدى : الفقه
العرف

العرف

مقدمة

مما لا شك فيه أن القرءان والسنة مصدران للتشريع الإسلامي في حياة المسلمين، وزيادة على القرءان والسنة الصحيحة، أضاف العلماء القياس، والإجماع، ليتكون لدينا أربعة مصادر يعتمد عليها كل المسلمين بلا خلاف، وأما بقية المصادر الأخرى ففيها الخلاف ومنها العرف.

وفي هذا التقرير سأحاول بيان أصل العرف وما يحيط به من قضايا، ولا شك أن عرف بلادي كثيرا ما يضعني أتساءل إن كان ذلك شرعا أم لا، ومن خلال الاطلاع على العرف سندرك أن لطبائع الشعوب مكانة لدى التشريع الإسلامي، ولقد كان منهج البحث منهجا نقليا، الهدف منه الاطلاع على العرف ومعرفته.

ومن المراجع المعتمدة لدينا: علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف، والقرءان وإعجازه التشريعي لمحمد إسماعيل إبراهيم، والمدخل إلى السياسة الشرعية لعبد العال أحمد عطوة، ولأن الوقت ضيق علينا، ولندرة البضاعة، وضعف الاستيعاب ما اطلعت على المصادر الرئيسية في أصول الفقه، أو في جوهر الموضوع ككتاب: نشر العرف فيما بني من الأحكام على العرف، لابن عابدين.

وكان منهج البحث كالآتي:

تعريف العرف لغة واصطلاحا، ثم بيان الفرق بينه وبين العادة والإجماع، وعرضت أدلته، وأنواعه، وحكمه، وأقسامه، وشروط اعتبار العرف، ثم تطرقت إلى بيان تغير العرف بتغير الزمان والمكان، وما العمل إذا اختلف العرف مع الدليل التفصيلي والقياس وعموم النص، وبينت مرتبة العرف نهاية مرفقا بملخص موجز في الخاتمة.




العرف لغة واصطلاحا



العرف لغة:

بضم العين وهو ضد النكر، وورد بمعنى المكان المرتفع، يقال: عرف الجبل ونحوه، وسميت لحمة رأس الديك عرفا لارتفاعها

1: محمد حسين عبد الله، الواضح في أصول الفقه، دار البيارق، لبنان، (ط2، 1416هـ، 1995مـ)، ص: 171.

ويقال في اللغة فلان أولى فلانا عرفا؛ أي معروفا، أو هو اسم من الاعتراف بمعنى الإقرار، يقال على ألف لفلان عرفا أي اعترافا

2: بدران أبو العينين بدران، أصول الفقه الإسلامي، مؤسسة شباب الجامعة، مصر، (دط، دت)، ص: 224.

العرف اصطلاحا:

معناه العادة المألوفة، والمستقرة في نفوس أهل قطر، أو مدينة استساغوها يمال إليها من وحي طباعهم السليمة، وهدي عقولهم الراجحة، ولا شيء فيها يخالف نصوصا من القرءان أوالسنة

3: محمد إسماعيل إبراهيم، القرءان وإعجازه التشريعي، دار الفكر العربي، (دط، دت)، ص: 50.

وليس المراد بأهل قطر أو مدينة جميعهم، وإنما المراد جمهورهم، كما أن المراد بهذا الجمهور أصحاب العقول الرشيدة، والطباع السليمة، فما استحدثه بعض الناس في أوروبا من إنشاء مدن للعراة تعارفوا الإقامة فيها عراة ليس من العرف الذي نقصده؛ لأن كشف العورة قبيح في العادات، لا تقبله العقول الرشيدة والطباع السليمة

4: عبد العال أحمد عطوة، المدخل إلى السياسة الشرعية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، (ط1، 1414هـ، 1993مـ)، ص: 164-165.



الفرق بين العرف والإجماع

إذا ما عطف أحدهما على الآخر فقيل: هذا الحكم ثابت بدلالة العرف والعادة يكون ذلك تأكيدا لا تأسيسا.

5: بدران أبو العينين بدران، أصول الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص: 224-225.

وأما الفرق بين العرف والإجماع:

1. أن العرف: « يتحقق ولو خالف البعض، بعكس الإجماع فهو اتفاق جميع مجتهدي العصر.
2. والفرق الآخر أن العرف يتحقق بصدوره ولو من العامة بعكس الإجماع فهو من المجتهدين فقط.
3. والفرق الثالث أن العرف غير ثابت فهو متجددد يتغير بتغيرالزمان وامكان أما الإجماع فلا ينفسخ بعد انعقاد الإجماع عليه »

6: نفس المرجع، ص: 225.



دليل العرف:

قد اتفق أغلب الفقهاء على اعتبار العرف بصفة عامة دليلا يرجع إليه في التشريع إذا أعوزهم النص الشرعي من الكتاب والسنة، ويستدل على العرف من القرءان بقوله تعالى: ﴿ وعلى المولود له رزقهن وسوتهن بالمعروف ﴾، البقرة: 233؛ أي بما تعارف عليه الناس في شأن المولود الذي تجب على والده تكاليف إطعامه، وكسوته بالمقدار المتعارف عليه بين الناس على اختلاف طبقاتهم

7: القرءان وإعجازه التشريعي، مرجع سابق، ص: 225.

وقد أخذ العرف قوته أيضا من قوله صلى الله عليه وسلم: « ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسنا »

8: رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود، موقوفا، محمد إسماعيل إبراهيم، مرجع سابق، ص: 50.

وما رواه البخاري أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: « خذي من مال زوجك ما يفيك ويكفي عيالك ».

ودليل العقل أيضا أن الناس تعارفوا على أمر، فمن المشقة والحرج إزالته، والمشقة والحرج مرفوعان في الشريعة الإسلامية لقوله تعالى: ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾.

وقد أقرعه جمهور المجتهدين.

وعند الإمام مالك نجده يستند إلى عمل أهل المدينة، وهذا عرف عملي

9: المدخل إلى السياسة الشرعية، مرجع سابق، ص: 168-170.

والشافعي لما نزل مصر غير بعض الأحكام التي كانت قد ذهب إليها وهو في بغداد

10: علم أصول الفقه، مرجع سابق، ص: 90.







أنواع العرف:

العرف نوعان: صحيح وفاسد

فالعرف الصحيح هو:

ما تعارفه الناس ولا يخالف دليلا شرعيا، ولا يحل محرما، ولا يبطل واجبا

11: عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، دار القلم الكويت، (ط12، 1398هـ، 1978مـ)، ص: 89.

ولا قاعدة شرعية من القواعد الأساسية، ولا حكما ثابتا علم من سر تشريعه أنه لا يختلف باختلاف الزمان والأحوال

12: أصول الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص: 224.

وقيل هو ما أقره الشارع بورود نص يفيد اعتباره كتشريع تزويج الأيامى بالأكفاء من الرجال، وتشريع وجوب الدية على العاقلة، والثابت بهذا العرف يعتبر من الأحكام الفقهية ولا علاقة له بالأحكام السياسية، لورود النص به

13: المدخل إلى السياسة لشرعية، مرجع سابق، ص:…

ومن أمثلة العرف الصحيح لدينا:

1. كتعارف الناس على عقد الاستصناع.

2. وتعارفهم تقسيم المهر إلى مقدم ومؤخر.

3. وتعارفهم أن الزوجة لا تزف إلى زوجها إلا إذا قبضت جزء من مهرها.

4. وتعارفهم أن ما يقدمه الخاطب إلى خطيبته من حلي وثياب هو هدية لا من المهر

14: علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، مرجع سابق: ص…





5. ومن أمثلة ما تعارف عليه الناس في تصرفاتهم أنهم جعلوا وليمة الزواج عند الزوجة ووليمة الدخلة عند الزوج.

6. وتعارف سكان القاهرة على أن ثمن المياه على حساب مالك السكن.

7. وتعارف أهل الالسكندرية على أن يكون ثمنها على الساكن.

8. تعارف الناس على إطلاق كلمة فقيه على من عنده علم من الشرع وأحكامه

15: القرءان وإعجازه التشريعي، مرجع سابق، ص: 50.



وفي فقه الحنفية أحكام كثيرة مبنية على العرف منها:

9. إذا اختلف المتداعيان ولا بينة لأحدهما فالقول لمن يشهد له العرف.

10. وإذا لم يتفق الزوجان على المقدم والمؤخر من المهر فالحكم للعرف.

11. ومن حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا، لا يحنث، بناء على العرف.

12. والمنقول يصح وقفه إذا جرى به العرف.

13. والشرط في العقد يكون صحيحا إذا ورد به الشرع، أو اقتضاه العقد، أو جرى به العرف

16: علم أصول الفقه، مرجع سابق، ص: 90.

14. وقد أقر الإسلام من أعراف الجاهلية ما كان منها صالحا مثل الكرم، والشهامة والنجدة

17: القرءان وإعجازه التشريعي، مرجع سابق، ص: 50.



وأما العرف الفاسد فهو:

ما تعارفه الناس، ولكنه يخالف الشرع، أو يحل المحرم، أو يبطل الواجب مثل:

* تعارف الناس على كثيرا من المنكرات في الموائد والمآتم.
* وتعارفهم أكل الربا وعقود المقامرة

18: علم أصول الفقه، مرجع سابق، ص: 89.





إذن فالناس إذا تعارفوا على عقد من العقود الفاسدة كعقد ربوي، أوعقد فيه غرر، وخطر، فلا يكون لهذا العرف أثر في إباحة هذا العقد.

ولهذا لا يعتبر في القوانين الوضعية عرف يخالف الدستور، أو النظام العام، وإنما ينظر في مثل هذا العقد من جهة أخرى، وهي أن هذا العقد هل يعد من ضرورات الناس، أو من حاجاتهم بحيث إذا بطل يختل نظام حياتهم أو ينالهم حرج أو ضيق أو لا؟ فإن كان من ضروراتهم أو حاجاتهم يباح؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، والحاجات تنزل منزلتها في هذا، وإن لم يكن من ضروراتهم، ولا من حاجياتهم، يحكم ببطلانه، ولا عبرة لجريان العرف به

19: نفس المرجع، ص: 90.







ومنهم من قسم العرف إلى ثلاثة أقسام:

العرف الصحيح:

وهو ما أقره الشارع بورود نص يفيد اعتباره، كتشريع تزويج الأيامى بالأكفاء من الرجال، وتشريع وجوب الدية على العاقلة، والثابت بهذا العرف يعتبر من الأحكام الفقهية ولا علاقة له بالأحكام السياسية، لورود النصوص به.

والعرف الفاسد:

تعارف بعض المجتمعات بالتعامل بالربا، وتقديم الخمور في الحفلات الرسمية.

والعرف االمسكوت عنه:

وهو الذي لم يرد نص باعتباره، أو إلغائه، وهذا العرف هو المعتبر في باب السياسة الشرعية

20: المدخل إلى السياسة الشرعية، مرجع سابق، ص:…



حكم العرف:

فالعرف الصحيح يجب مراعاته في التشريع، وفي القضاء، وعلى المجتهد مراعاته في تشريعه وعلى القاضي مراعاته في قضائه؛ لأن ما تعارفه الناس وما ساروا عليه صار من حاجاتهم ومتفقا مع مصالحهم، فما دام لا يخالف الشرع، وجبت مراعاته، والشارع ترك الصحيح من عرف العرب في التشريع، ففرض الدية على العاقلة، وشرط الكفاءة في الزواج، واعتبر العصبية في الولاية والإرث

21: علم أصول الفقه، مرجع سابق، ص: 89-90.



أقسام العرف:

ينقسم العرف إلى: قولي، وفعلي، وعام، وخاص.

* فمثال القولي: دلالة الولد على الذكر دون الأنثى، ودلالة الطعام على خصوص البر دون غيره، ودلالة الدابة على خصوص الفرس.
* ومثال العرف الفعلي: البيع بالتعاطي دون استخدام اللفظ، وتعجيل الأجرة قبل استيفاء المنفعة، وتقسيم المهر إلى معجل ومؤجل.
* ومثال العرف العام: اتفاق جميع الناس في زمن من الأزمان مثل: دخول حمام السوق بنظير أجر معين دون مقدار المياه ولا المدة

22: المدخل إلى السياسة الشرعية، مرجع سابق، ص: 167- 168.





ولكن إذا حصل فربما تحول إلى إجماع والأمر ليس كذلك؛ لأنه ممكن أن يرفضه أناس مراعاة لمصلحة، فلا يحق لنا معاتتبهم لماذا نقضتم الإجماع.

* ومثال العرف الخاص: اتفاق ناس في بلد من البلدان على أمر معين كتقديم الخاطب قبل الزفاف هدية إلى زوجته ولا تدخل في المهر

23 : نفس المرجع، ص: 167-168.



شروط اعتبار العرف:

* مطردا بين متعارفيه في جميع معاملاتهم.

* إذا كان العرف طارئا لا اعتبار له، مثلا: العرف يقتضي بعدم التأجيل ثم وقع خلاف بين الزوجين فإننا نقضي بتعجيل العرف.

* ألا يعارض التصريح، فالعرف مثلا: يقتضي تعجيل نصف المهر، وتأخير النصف، واشترطت الزوجة التعجيل، وقبل الزوج إذا وقع نزاع فالصحيح ما اتفقا عليه، لا ما كان جاريا في العرف.

* لا يعطل نصا، أو أصلا من الأصول القطعية

24: أصول الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص: 203.

* ولابد في تَكَونِ العرف من تكرار الفعل، أو القول عدة مرات حتى ينطبع أثره في النفوس، وتطمئن إليه الطباع، فالعرف لا يثبت بمرة، أو مرتين، خلافا لمن زعم ذلك



تغير العرف:

إن الأحكام المبنية على العرف تتغير بتغيره زمانا ومكانا؛ لأن الفرع يتغير بتغير أصله، ولهذا يقول الفقهاء في مثل هذا الاختلاف أنه اختلاف عصر وزمان، لاختلاف حجة وبرهان

25: علم أصول الفقه، مرجع سابق، ص: 164- 165.

ومثال ذلك:

أن متأخري الحنفية جعلوا أجرة القرءان، والطاعات، والإمامة، والآذان، بعكس المتقدمين، ذلك أنه في زمن المتقدمين كانت المساعدات تفد من بيت المال إلى القائمين، وأما في زمن المتأخرين خرب بيت المال، وخرب أصحابها، ولهذا جعلوا راتبا معينا خوفا من انصراف الأستاذ عن مهمته.

وفي زمن أبي حنيفة كان الاكتفاء بالشهود بالعدالة الظاهرة، فيما عدا الحدود والقصاص، ولكن أبا يوسف، ومحمد،قالوا: لابد من تزكية جميع الشهود؛ لأن الكذب كثر.

ومثال ذلك ما كان يراه الإمام أبو حنيفة من أن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان، على حين يرى الصاحبان أنه يتحقق من غيره، وهذا الخلاف مبناه تباين العرف في العصرين، ففي عصر أبي حنيفة لم تكن القدرة، والمنعة إلا للسلطان وأعوانه، وفي عصر الصحابيين صار كل ظالم قادرا على إيقاع ما هدد به من الأذى، والشر، ومثل هذا الخلاف هو الذي يقول الفقهاء فيه أنه اختلاف عصر وزمان، وليس اختلاف حجة وبرهان

26: المدخل إل السياسة الشرعية، مرجع سايق، ص: 170-172.



مخالفة العرف للدليل التفصيلي:

سبق أن ذكرنا أن من شروط العرف المعتبر الذي تبنى عليه الأحكام ألا يخالف نصا، أو إجماعا، ونتناول هنا حكم العرف إذا خالف النص أو الإجماع.

إذا كان الدليل التفصيلي يفيد حكما يفهم من إنشائه أنه من الأحكام الثابتة، فإنه لا يصح اعتبار العرف الذي يجري على خلافه، وذلك كما في الربا، والخمر، والميسر، لأن النصوص قد وردت فيها على وجه يفيد أن حرمتها ثابتة لمعان فيها أنفسها، لا تختلف باختلاف الظروف، والعادات، فتعارف بعض الناس تعاطيها لا يؤثر مطلقا على التحريم الثابت بالدليل التفصيلي، أما إذا علم أن ما أثبته الدليل التفصيلي لا يفيد حكما ثابتا كأن يعلم أنه ثبت مجاراة لعرف كان قائما فإن حدوث عرف آخر على خلافه لا تكون مجاراته والأخذ به مخالفة لذلك الدليل، وتعتبر المخالفة حينئذ مخالفة ظاهرية وهذا ما ذهب إليه الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة وبعض الفقهاء.

وبناء على هذا الرأي يجوز بيع النقود الذهبية والفضية بمثلها عددا وقيمة وإن كان ذلك في الظاهر، لما رواه أحمد، ومسلم، والنسائي، عن أبي هريرة من قوله: (صلى الله عليه وسلم): « الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل، والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل »، ولما رواه أحمد عن أبي سعيد من قوله عليه الصلاة والسلام: « لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء ».

فإن السر في اشتراط الوزن في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة هو: تحقيق التساوي في البدلين تحرزا عن الربا، فإذا كانت قطع الذهب، أو الفضة مضبوطة القيمة والعيار، فإننا نحكم حينئذ بتحقق المساواة في بيعها ببعضها عددا، وقد خالف أبو يوسف بهذا الرأي جمهور الفقهاء الذين يرون أن كل شيء نص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على تحريم التفاضل فيه كيلا فهو مكيل أبدا وإن ترك الناس الكيل في بيعه، وكل ما نص على تحريم التفاضل فيه وزنا فهو موزون أبدا وإن ترك الناس الوزن في بيعه.

والذي يقتضيه النظر هو ما رآه المحقق الكمال بن همام في فتح القدير ترجيح الإمام أبي يوسف؛ لأن كلا من الكيل والوزن لم يقصد لذاته بل لكونه المعيار الوحيد لتحقيق التساوي على عهده (صلى الله عليه وسلم)، فإذا طرأ عرف آخر بمعيار آخر يحقق التساوي فلا مانع من الأخذ به؛ لأنه المقصود في بيع الأثمان هو: تحقيق التساوي في بيعها.

إذن أبا يوسف يعتبر العرف الطارئ لا العرف الذي جاء النص مقررا له ومبنيا عليه، بخلاف الإمام أبا حنيفة، ومحمد بن الحسن، فلا يعتبران العرف الطارئ لوجود نص معارض له، فمثلا نص الشارع على أن البر، والتمر، والملح، من المكيلات فإذا تغير العرف وأصبحت من الموزونات فهل يصح التعامل فيها بالوزن مع التفاضل، بهذا يقول أبو يوسف، أما الإمام ومحمد فلا يجيزان ذلك ويعتبران الفضل ربا.

27: محمد سلام مدكور، مناهج الاجتهاد في الإسلام، جامعة الكويت، ( 1977 مـ)، 247.



مخالفة العرف للقياس وعموم النص:

إذا تعارض العرف مع النص ولم يكن التعارض كليا، قال الحنفية أن العرف يقوى على تخصيص النص سواء كان عرفا عمليا أو قوليا.

وقال الشافعية: إن الذي يقوى على تخصيص النص العام إنما هو العرف القولي.

* ومن أمثلة تخصيص النص بالعرف العام:

الاستصناع، فقد ثبت أن النبي (صلى الله عليه وسلم): «نهى عن بيع ما ليس عند الانسان ورخص في السلم »

* أما العرف الخاص بمكان دون آخر:

الراجح عند الحنفية أنه لا يقوى على تخصيص النص؛ لأنه لا يثبت بالشك، وأجاز بعض الحنفية تخصيص النص العام بالعرف الخاص.

أما إذا تعارض العرف والقياس، فتكاد تتفق كلمة الفقهاء على أن القياس يترك بالعرف؛ لأنه دليل الحاجة فهو أقوى من القياس، فيترجح عليه عند التعارض ويقول: الكمال ابن الهمام: أنه بمنزلة الإجماع شرعا عند عدم النص، فيترك به القياس بسبب العرف وأيضا لأنه؛ لا يعارضه نص خاص ولا عام مباشرة فيترك القياس به.

ويشير إلى هذا ما أفتى به محمد بن الحسن الشيباني من جواز بيع النحل، ودود القز، لما جرى التعامل بذلك في زمنه مع أن إمامه أبا حنيفة النعمان كان قد أصدر حكمه في ذلك بعدم جواز بيعهما؛ لأنهما ليسا من الأموال في عصره، وقياسا على هوام الأرض كالضفادع، وإذا كان العرف يترجح على القياس الذي يستند إلى نص تشريعي مباشر فإنه يقدم على الاستصلاح الذي لا يستند إلى نص، بل مجرد المصلحة الزمنية التي هي عرضة للتبدل بحسب اختلاف الأزمنة.





مرتبة العرف:

العرف يقدم على الاستصلاح، بل إن فقهاء الحنفية يرون أن العرف العام بنوعيه القولي، والعملي يقوى على تخصيص النص، بينما قصر الشافعية ذلك على العرف القولي، وبالنشبة للعرف الخاص فالراجح في المذهب الحنفي أنه لا يقوى على تخصيص النص.

والعرف بقسميه يعتمد عليه في معرفة ما يراد من كلام المتعاقدين ونحوهم، ومعرفة ما يعتبر من العيوب أو لا يعتبر، وما يعتبر غبنا فاحشا أو يسيرا، وما يعتبر في المعاشرة الزوجية ضررا لا يمكن معه دوام العشرة وما هو من قبيل ذلك.

ويقول السنهوري: « لم يقل أحد أن الأحكام التي ينتجها العرف تكون مكملة للأحكام الشرعية أو تحل محلها، وإنما أقصى ما يصل إليه في نظر الفقهاء هو أن يكون قاعدة أصولية مختلفا فيها، أو معينا يعين القاضي والمفتي على تطبيق الأحكام الفقهية المدونة، وانتهى إلى أنه لا يمكن اعتبار العرف دليلا من أدلة الأحكام الشرعية الإجمالية والذي تنتهي إليه أن اختلاف الفقهاء في اعتبار العرف وتخصيص النص به، وترك القياس من أجله إلى غير ذلك مما يؤثر في اجتهادهم الفقهي ويحقق الاختلاف بين بعض المناهج وبعض، فمنهج الذي يعترف به مطلقا أن يفرغ عليه كل حكم ثبت به في جميع أنواعه، ومنهج الذي يعترف ببعض دون بعض أنه يجعل هذا البعض مأخوذا يترتب عليه الحكم مع تحقيق الشروط، ومثل ذلك يقال: في رأي بعض الفقهاء بالنسبة للنص المبني على عرف سابق فإن منهجه يقتضي أن الحكم يتغير بتغير العرف الذي انبنى عليه النص وهكذا.

يقول الشاطبي: إن مالك بن أنس من مذهبه أن يترك الدليل للعرف فإنه رد الأيمان إلى العرف كقوله: والله لا دخلت مع فلان بيتا، فهو يحنث بدخول كل موضع يسمى بيتا في اللغة، والمسجد يسمى بيتا فيحنث على ذلك، إلا أن عرف الناس أن لا يطلقوا هذا اللفظ عليه فخرج العرف على مقتضى اللفظ فلا يحنث، ومن هذا يبين مدى اختلاف الفقهاء حول هذه المصادر، ومنهج كل فريق بالنسبة لكل مصدر منها، وأثر ذلك في استنباط الأحكام الفقهية.



الخاتمة

من خلال هذا التقرير الموجز عن موضوع العرف نستخلص النتائج الآتية:

1. وجود فرق بين العرف والعادة والإجماع.

2. أن للعرف أدلة من القرءان والسنة.

3. العرف نوعان: صحيح وفاسد، ومنهم من قال ثلاثة أقسام: صحيح، وفاسد، ومسكوت عنه.

4. حكم العرف الصحيح، وجوب مراعاته في التشريع وفي القضاء.

5. ينقسم العرف إلى: قولي، وفعلي، وعام، وخاص.

6. حتى يكون العرف معتبرا لابد من شروط تتوفر فيه.

7. إن الأحكام المبنية على العرف تتغير بتغير الزمان والمكان.

8. إذا خالف العرف الدليل التفصيلي، فمنهم من يعتبر العرف الطارئ وهذا ما ذهب إليه أبو يوسف، ومنهم من توقف عند النص.

9. إن العرف العام يقوى على تخصيص النص، سواء كان عرفا عمليا، أو قوليا، هذا عند أبي حنيفة، وعند الشافعية: أن الذي يقوى على تخصيص النص العام إنما هو العرف القولي، والراجح عند أبي حنيفة: أن العرف الخاص لا يقوى على تخصيص النص العام خلافا لبعض الحنفية.

10. إذا تعارض العرف والقياس فمعظم الفقهاء يقول بترك القياس.

11. مرتبة العرف تقدم على مرتبة الاستصلاح.

12. لم يقل أحد أن الأحكام التي ينتجها العرف تكون مكملة للأحكام الشرعية، أو تحل محلها، إنما العرف معين القاضي، والمفتي في تطبيق الأحكام الفقهية المدونة.



قائمة المراجع

1. أصول الفقه الإسلامي، بدران أبو العينين، مؤسسة شباب الجامعة، مصر.

2. الاجتهاد الفقهي أي دور وأي جديد، ندوات ومحاضرات، المغرب، (ط1، 1996مـ).

3. علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، دار القلم، الكويت، (ط12، 1398هـ، 1993مـ).

4. القرءان وإعجازه التشريعي، محمد إسماعيل إبراهيم، دار الفكر العربي.

5. المدخل إلى السياسة الاشرعية، عبد العال أحمد عطوة، جامعة محمد سعود، (ط1، 1414هـ، 1993مـ).

6. مناهج الاجتهاد في الإسلام، محمد سلام مدكور، جامعة الكويت، 1977مـ.

7. الواضح في أصول الفقه، محمد حسين عبد الله، دار البيارق، لبنان، (ط2، 1416هـ، 1995مـ).


hguvt












عرض البوم صور حركات   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الغرف السعودية ترصد 100 ألف وظيفة حراسات أمنية الطائف التعليمية منتدى الوظائف ( حكومية - أهلية ) 0 01 Jun 2012 01:52 PM

Bookmark and Share


الساعة الآن 01:35 PM

أقسام المنتدى

المنتديات العامة | المنتدى الإسلامي الخاص بأهل السنة والجماعة | قسم الترحيب والمناسبات | المنتديات التقنيه والإعلانية والوظائف | برامج الكمبيوتر والانترنت | منتدى الرسم والتصميم | منتدى اللغة الإنجليزية والمواد الدراسية | الفلاش والسويش | المرئيات و الصوتيات الإسلامية | محمد صلى الله عليه وسلم | المنتديات الاسلامية | رمضان مبارك | فتاوي شرعيه | كتب دينيه | التجويد | الفقه | الزكاة | تفسير القران الكريم | الطهاره والوضوء | الرقية الشرعية | الحج والعمرة | Ubuntu | الإحتياجات الخاصة وصعوبات التعلم | المنتديات الإدارية والتعاميم والتدريب والابتعاث وبرنامج نور | الأنشطة المدرسية والتربوية ( منهجيه - لا منهجية ) | منتديات الفصل الدراسي الأول لجميع المراحل | منتديات الفصل الدراسي الثاني لجميع المراحل | أخبار تعليم الطائف | منتدى شؤون المعلمين والمعلمات | أسبوع التهيئة والاستعداد للأسبوع التمهيدي | منتدى التطوير والتدريب التربوي والابتعاث | منتدى الوظائف ( حكومية - أهلية ) | قسم رياض الأطفال | منتدى الإدارة المدرسية والإشراف التربوي | منتدى التوجيه والإرشاد | قسم الأناشيد المدرسية والقصص الأدبية | قسم النشاط الطلابي | القسم الخاص بالمطويات والنشرات | دراسات ومقالات وبحوث تربوية وتعليمية | قسم التجارب التربوية والاستشارات التعليمية وتبادل الأفكار | المرحلة الابتدائية | المرحلة المتوسطة | المرحلة الثانوية | المرحلة الابتدائية | المرحلة المتوسطة | المرحلة الثانوية | الصف الأول | الصف الثاني | الصف الثالث | الصف الرابع | الصف الخامس | الصف السادس | مواد إسلامية | مواد اللغة العربية | مواد الرياضيات والعلوم | المواد الاجتماعية | مواد إسلامية | مواد اللغة العربية | مواد الرياضيات والفيزياء | المواد العلمية | المواد الاجتماعية | الصف الأول | الصف الثاني | الصف الثالث | الصف الرابع | الصف الخامس | الصف السادس | مواد إسلامية | مواد اللغة العربية | مواد الرياضيات والعلوم | المواد الاجتماعية | مواد إسلامية | مواد اللغة العربية | مواد الرياضيات والفيزياء | المواد العلمية | المواد الاجتماعية | منتدى التربية الخاصة | منتدى الاعلانات المدفوعة والمجانية | منتدى النظام المركزي ( نــــــور ) | التعاميم | المنتديات التعليمية | منتدى التربية الأسرية و الاقتصاد المنزلي | المكتبات ومراكز مصادر التعلم | تعليم الكبار ، ومحو الأمية (تعليم الكبيرات) | منتدى التربية الفنية | منتدى التربية البدنية | برامج الجداول المدرسية | منتدى مواد الحاسب الآلي | منتدى عروض البوربوينت | منتدى الاختبارات التحصيلية واختبارات القدرات | المنتديات المدرسية | منتدى مدرسة الإمام البخاري الابتدائية | المنتدى العام | القسم الخاص بطلبات الأعضاء | المنتدى التعريفي للمدارس بكل المناطق والمحافظات | المنتدى التعريفي للمدارس بمحافظة الطائف | الطائف | حداد | تربة | رنية | الخرمة | بني سعد | بالحارث | الموية | الحوية | منتدى المواضيع التي ليس لها قسم مخصص | رياض الأطفال | المرحلة الابتدائية | المرحلة المتوسطة | المرحلة الثانوية | القسم الخاص بالإذاعة المدرسية والمناسبات العالمية |



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, vBulletin Solutions, Inc
الدعم الفني : مجموعة الياسر لخدمات الويب المتكاملة